ابن قيم الجوزية

288

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

من ذلك شيء ، وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نار ونور وظلمة وما هو أعلم به فإن احتج مبتدع أو مخالف بقول اللّه عز وجل وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ؛ وقوله تعالى ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ونحو هذا من متشابه القرآن فقل إنما يعني بذلك العلم أن اللّه عز وجل على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان * وللّه عز وجل عرش وللعرش حملة يحملونه واللّه عز وجل مستو على عرشه وليس له حد * واللّه عز وجل سميع لا يشك ، بصير لا يرتاب ، عليهم لا يجهل ، جواد لا يبخل ، حليم لا يعجل ، حفيظ لا ينسى ، ولا يسهو ، قريب لا يغفل ويتكلم وينظر ويبسط ويضحك ويفرح ، ويحب ويكره ويبغض ، ويرضى ويغضب ويسخط ويرحم ، ويعفو ويغفر ، ويعطي ويمنع ، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد ، وخلق آدم بيده على صورته ، والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه ، ويضع قدمه في النار فتنزوي ويخرج قوما من النار بيده ، وينظر إلى وجهه أهل الجنة يرونه فيكرمهم ويتجلى لهم وتعرض عليه العباد يوم القيامة ويتولى حسابهم بنفسه ولا يلي ذلك غيره عز وجل ، والقرآن كلام اللّه الذي تكلم به ليس بمخلوق فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ، ومن زعم أن القرآن كلام اللّه ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من القول الأول ، ومن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا مخلوقة والقرآن كلام اللّه فهو جهمي ، وكلم اللّه موسى تكليما منه إليه ، وناوله التوراة من يده إلى يده ، ولم يزل اللّه عز وجل متكلما ، والرؤيا من اللّه وهي حق إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس ضغثا فقصها على عالم وصدق فيها فأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرف فالرؤيا تأويلها حينئذ حق وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحيا فأي جاهل أجهل ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنها ليست بشيء ؟ وبلغني أن من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام ، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده » وقال : « إن الرؤيا من اللّه » وذكر محاسن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلهم والكف عن ذكر مساويهم التي شجرت بينهم فمن سب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو واحدا منهم أو نقصه أو طعن عليه أو عرض بعيبهم أو عاب أحدا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث